خرافة المسيح الدجال

antichrist

الجزء الأول

بحسب الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، فإنَّ كلمة أسطورة هي جمعٌ من الأفكار والمعتقدات والأحكام النّظريّة، وهي نسيجٌ مضطرب من الخيوط الّتي تقع خارج التّاريخ، وذلك لا يعني خروج الأسطورة من الواقع التّجريبي، ولكن بمعنى أنّها تتناقض معه، فتبدو وكأنّها تنشئ عالماً فانتازيّاً خارج دائرة التّموضع المكاني والزّماني الحادث.
ولا يخفى على الباحث ان الفكر الاسطوري لا يظهر فجأة الى الوجود بين عشية وضحاها، بل في حقيقة الامر الاسطورة كانت فكرة في غاية البساطة وتطورت عبر التاريخ من جيل الى جيل. لم تكن مكتملة بأفكارها في الزمن الذي نشأت فيه بل اكتملت مع نمو العقل وعبر مرور الزمن. ولازالت قابلة للتطور مع تطور شعوبها.

.
اختلف الباحثون حول الطرق التي جعلت الاسطورة تظهر الى الوجود، ذهب البعض الى ان مصدر الاسطورة هو اتباع الاعراف الاجتماعية المجهولة السائدة في بيئة ما، التي غالبا ما يكون امرها افتقار للعقل واللوازم العلمية لفك طلاسمها كالظواهر الطبيعية من كسوف، بركان، زلزال، والموت… ذهب البعض الاخر كالعالم النفسي فرويد في كتابه “تفسير الأحلام ” الذي نُشر سنة 1905م الى ان الاسطورة ناتجة عن امر نفسي، فهي وليدة المشاعر المكبوتة التي يحتفظ بها الإنسان في منطقة اللاشعور، ولذلك تجد أحداث الأسطورة لا ترتبط بمكان معين ولا بزمان معين، فهي تدخل في نطاق اللامكان واللازمان. يقول د. كارم محمود عزيز “وإنه إذا اقتربنا من العالم الأسطوري من هذا الجانب فإننا نجده وفقًا لتعبير ” ملتون” محيطًا مظلمًا لا متناهيًا، ليس له بعد أو حدود، ونفتقد فيه الطول والعرض والارتفاع، وكذلك الزمان والمكان.
ويرى فرويد أن البطل الأسطوري يقوم بأعمال خارقة للطبيعة هي في الحقيقة انعكاس لرغبات الإنسان اللاشعورية وأمانيه المكبوتة، ويقول د. كارم محمود “ويرى فرويد أن البطل في الأسطورة، حاله كحال صاحب الحُلم، يخضع لتحولات سحرية ويقوم بأفعال خارقة هي انعكاسات لرغبات وأمانٍ مكبوتة تنطلق من عقالها بعيدًا عن رقابة العقل الواعي الذي يمارس دور الحارس على بوابة اللاشعور.

.
ذهب البعض الاخر ان مصدر الاسطورة ناتج عن فكر ديني مُقَدَّس كما أكد العالم الأنثروبولوجي الأسكتلندي جيمس فريزر في كتابه الغصن الذهبي قائلًا بأنه بعد ممارسة أي طقس لزمن طويل، لا يعرف الناس لماذا كان هذا الطقس، فتأتى الأسطورة لتجيب على تساؤلاتهم، فمثلًا عندما أراد أتباع “ديونيسيوس ” تبرير شربهم لدم الثور الحي وأكلهم للحمه نيئًا، اخترعوا أسطورة هجوم التيتان أعداء “زيوس ” على “ديونيسيوس ” الذي غيَّر شكله إلى شكل ثور، ولكنهم تمكنوا منه، ومزقوا جسده وشربوا دمه وأكلوا لحمه نيئًا.

لا يكاد يسلم أي فكر ديني من دسائس الاساطير الخرافية، فها قد مرَّ أكثر من 1400 سنة ولازالت اسطورة المسيح الدجال ملتصقة بالتراث والمصادر الاسلامية، كما التصقت بأديان اخرى قبل الاسلام والمسيحية واليهودية، ولازالت الأسطورة مستمرة بين ايدي القراء بشكل جنوني الى يومنا هذا تدعو الى الايمان والتصديق، فأصبحت محل نزاع بين التصديق والتكذيب الى ان أصبحوا ينعتون بعضهم البعض بالزندقة والكفرة والخروج من المِلَلْ. فبدون تعصب وبدون تحيز دعونا نلقي الاضواء على موضوعنا.

.
وفقا لكثير من الروايات والمصادر الاسلامية سيأتي في آخر الزمان رجل اعور ممسوخ مشوه الوجه لديه من القدرات والمعجزات ما لم تخطر على بال وبشكل رهيب ومخيف، بل لم توهب لا لملاك ولا لنبي. باسم مجموعة من الروايات في الصحاح طبعا، فان الله هو من امده بهذه المعجزات والخوارق ليدعي هو (الدجال) الالوهية امام عباد الله ليضلهم بها ومن ضل فأولئك هم الخاسرون. هدفه الاول والاخير هو تضليل الناس وإخراجهم من هدي الله الى الظلمات بتأييد من الله طبعا. فالله يرخص له من جهة ويحاسب العباد على من اهتدى الى هذه الرخصة من جهة اخرى. الله الرحيم العليم يخلق عدوه بنفسه، ويجعله بمثابة إله مثله ليغوي بنو البشر. ألا تتناقض وجود هذه الشخصية مع رحمة الله بعباده. كيف له(الله ) ان يرسل لهم من يضلهم ثم يعذبهم على الضلال الذي أعده لهم ويصف نفسه بالرحيم؟ ام انه كان لا يعلم ان الدجال سيكون ماكر ومخادع؟ وايضا هذه تعتبر مناقضة مع علم الله.

.
هل تعلم عزيزي القارء ان بطلنا الاسطوري يستطيع احياء الموتى فقط بكلمة منه. هل تعلم انه سيدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك. هل تعلم إن امر بهطول المطر في ارض قاحلة لتنبت نباتا فذلك يحدث في الحين فقط بكلمة منه تمام كما يقول الله كن فيكون. إذا كان للإله جنة ونار فلدجال ايضا جنة ونار مثل خالقه بل أكثر من الله وفقا للقصص المَرْوِيَّة، فان جنة وجهنم الله مستقران في مكان ما، اما جنة وجهنم الدجال فهما يمشيان معه حيثما ذهب. هل تعلم ان معه جبال من خبز ولحم، ونهر من ماء. هل تعلم ان كنوز الارض ستخرج لتتبعه كيعاسيب النحل؟ (ذكور النحل) واخيرا سيدعي الالوهية وسيجازي متبعيه ويرزقهم من خيراته ويعاقب العصاة. ثم سيأتي الله ليعاقب من تبعه ومن انخدع بهذه المعجزات المخيفة التي هي في حقيقة الامر بتأييد منه.

.
وإني اتساءل كما يتساءل الكثير، إذا كان الله يمد الانبياء بالمعجزات لكي يهتدوا الى هديه، فلماذا يحاسب الناس على تصديقهم لمعجزات الدجال المبهرة. فحدوث المعجزة غاية للإيمان ام الكفر؟ فمرة يريد منا الله التصديق لحدوث معجزة، ومرة يريد منا الكفر بها، اليس هذا تلاعبا؟ فهل يؤيد الله الدجالين ومدعي النبوة بمعجزات؟ ان قلتم بنعم فما عليكم الا ان تراجعوا ايمانكم بسائر الانبياء فقد يكون بينهم دجالون ومدعو النبوة ايدهم الله بمعجزات ! وان قلتم بلا ان الله لا يؤيد اصحاب الظلال بالمعجزات فما عليكم الا ترك هذه  الخرافات التي تأذي إيمانك بالله قبل كل شيء!.

.
لقد روت كثير من الروايات ان الدجال به عيوب خلقية كالعين العوراء (رغم انه لا يٌعرف أي العينين عوراء فالبخاري قال العين اليسرى ومسلم قال العين اليمنى) والتشويه الخلقي بين العينين كلمة كافر. رغم انه يقوم بالمستحيلات اما كان يستطيع ان يقوم بعملية تجميل لوجهه وعينه ليخفي علاماته الفاضحة على المؤمنين حتى يمحي كل أثر الشك ليجلب عدد كبير من المؤيدين له بدل ان يكتشفوا امره؟ ففي زمننا يوجد اطباء تجميل يستطيعون ان يقوموا بما لا يستطيع الدجال فعله رغم انه مؤيد بمعجزات الهية فوق الطبيعة. ان كان لا يستطيع ان يزيلها بنفسه هل في مقدوره ان يستشير متخصصين في الطب التجميلي ام الاطباء دجالون ايضا؟ واني اتساءل كيف يعقل لشخص يحيي الموتى لا يستطيع حتى ان يزيل تشوهه ولو بِالوهم والسحر؟ هل يصح هنا ان نقول ” كن كان الخوخ إدوي كن دوا رسو“ كما يقول المثل المغربي؟ هل بإمكان الدجال ان يضع عمامة على رأسه على الاقل ليخفي كلمة كافر حتى لا ينكشف امره، ام انه مسير ان يبقى كما هو لا مخير في قراراته ؟ فهو يفعل ما اريد له ان يفعل، فإذا كان مسيرا، لماذا سيحاسبه الله ويحاسب معه اتباعه؟ إذا كان الامر مقدر مند البداية؟ إحكموا عقلكم.

.

فالمسيح الدجال ليس إلا مُرسل من الله مثل باقي الأنبياء لكن يختلف أمره عن باقي الأنبياء. فالأنبياء بُعتو لهداية البشر والدجال سيُبعث لتضليل البشر، فكلا الأنبياء والدجال لديهما نفس الهدف والمسعى وهو رسالة إلى بنو البشر لكن تختلف بين الهداية و التضليل. عجيب أمر الله الذي يوصف نفسه بالرحمان، فنراه بعد إيماننا بهذه السلسلة من الأحاديث يبني ويهدم، فهو يُرسل لهم من يُنقدهم من الظلمات إلى النور ثم يُغير رأيه ليُرسل لهم من يُرجعهم من النور إلى الظلمات من جديد، عار عليكم ان تُنزلوا من مكانة الخالق الى هذا الهذيان والسخافة ، فحفاظكم على مصداقية الروايات وقدسية احاديث غريبة ودسيسة شوهت جوهر الدين نفسه. ولك القرار عزيزي القارء، الإلتزام بصحة الأحاديث والايمان بما جاء بصددها دون استخدام العقل، أو استخدام أحسن هدية منحها الله لك لتُنصِف ربك من هذا الوصف الاسطوري، القرار لك.

.

قد يندهش الباحث النزيه من بعض المصممين على الايمان بالفكر الاسطوري رغم غرابة القضايا فيه وتارة تدعو الى الضحك والسخرية. الا أنك تراهم متشبثون وملتصقون بالفكر الاسطوري وذلك عائد الى طبيعة خيال الانسان المحب للفكر الاسطوري والنزعات الميثولوجية. ففكر الانسان يدخل في كل القضايا البيِّنة والمستعصية إلاَّ ان المستعصية منها تجد لها تفسير غريب وغير منطقي ويتأسطر مع فكر ديني ما، لتجده في الاخير حقيقة دينية واقعية وراسخة في وجدان المعتقِد بها يصعب دحضها، لأنه عنده قابلية الايمان بها ونزعة تعظيم تلك الاسطورة المشوقة التي تأخذه الى عالم تحف به افكار فنتازية وراء الواقع. وهذا يحدث حتى مع مجال الفن السابع فترى افلام الفنتازيا والخيال من انجح الافلام في تاريخ السينما واكثرها ربحا، كسيد الخواتم وهاري بوتر والمومياء واليس في بلاد العجائب ودراكولا وفمباير ناهيك عن افلام الخيال العلمي مثل سوبرمان وسبايدر مان وباتمان….
لعل من صاغوا وحرروا هذه السلسلة من الأحاديث كانوا متأثرين بفكر سائد آنذاك، ولعل الظروف والمستوى التطوري الذي كان سائدا ساعد في تشكيل هذه الافكار وبرمجية الشعوب على الايمان بها. ذلك ان ركوب الخيل والبغال … كان هو وسيلة التنقل، اما الحروب فكانت تستعمل فيها اسلحة بدائية مثل الرماح والسيوف والمقاليع. فكان تصورهم لفتنة المسيح الدجال ستنتهي على يد المسيح عيسا برمحه او حربته.

.
الذي طرح هذه الافكار في التصور البشري طرحه وفقا لما تراه عيـنِه المجردة، طرحه وفقا للمستوى التطوري السائد آندك، وكأن السيف والمقلاع سيضلون وسيلة للحروب في كل الازمنة. فكان لا يعلم ان سيفه لا يقف امام الاسلحة النووية والبيولوجية والذرية والجرثومية.. كان لا يدرك انه سيأتي يوم ستكون هناك قنابل ذكية قد تدمر كوكب الارض بالكامل. فاين مدعي الالوهية بأسلحته البيضاء والمخلِّص الذي ينوي ان يقضي عليه بأسلحة هزيلة امام ضغطة زر لتفني البشرية جمعاء. يجب على المناهضين لهذه الحماقات ان ينصحوا حكوماتهم بان لا يسارعوا في تطوير وشراء طائرات وقنابل متطورة تحسبا لحرب مع عدو محتمل، بل يجب عليهم ان يشتروا الخيول ويصنعوا السيوف والمقاليع للاستعداد لافتك حرب ستقوم في تاريخ كوكب الارض مع أشرس عدو، مرخص لها طبعا من طرف الإله وفقا لمصادركم.
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

.
الغريب في الامر ان مصدر التشريع الاول والاقدس في الاسلام هو القرآن، والقرآن تناول قضايا عدة ومختلفة كبيرة وصغيرة حتى بعض الحيثيات الصغيرة وكذلك امور غيبية وعلمية، لكن لم يُذكر بطلٌنا الاسطوري ولا مرة واحدة رغم خطورة المعضلة، ولا اشارة واحدة.
ثم ترى الكثير من المشايخ يدافعون عن وجود هذه الشخصية الوهمية الاسطورية، حتى يتمنون ظهور احداثها بالفعل، فقط للحفاظ على موثوقية الحديث وعدم الخروج عن المنهجية السردية والسندية التي ساغها اسيادهم من المشايخ والدعاة خوفا من ان يُنعتوا بالزندقة والكفر وتَعظيمهم للفكر الاسطوري الخرافي والفنتازي مستهينين بعقولهم وفكرهم.

يتبع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s